من هو ضيفنا ؟
إنه شريح بن الحارث، يمني الموطن، كنْدي العشيرة، قضي جزءاً من حياته غير يسير في الجاهلية، فلما أشرق الإسلام بنوره على ربوع الجزيرة شرح الله صدره لهذا الدين العظيم، فاستجاب لدعوته ونهل من نبعه الصافي وكان ذا عقل رشيد ورأي سديد وبصيرة نافذة وحكمة فريدة فسخر كلَّ ذلك في خدمة الإسلام ونفع المسلمين. إنه شريح القاضي الذي أصاب من العلم ما أصاب، حتى عُدَّ من علماء عصره الأماجد والذين يشار إليهم بالبنان والمعروفين في كل زمان ومكان.
إنه شريح القاضي الذي رفع الله شأنه وأعلى قدره أن هداه للإسلام وشرح صدره له، ثم بتوليه منصب القضاء في خلافة عمر ثم عثمان ثم معاوية، ثم من جاء بعد معاوية من خلفاء بني أمية حتى طلب إعفاءه من هذا المنصب إبان ولاية الحجاج. وشهد له الجميع بحبه للحق وإيثاره له ولو على نفسه أو ولده أو الناس أجمعين لا يميز بين ملك ومملوك ولا رئيس ومرءوس، وكان شريح إلى ذلك كله شاعراً لبيباً ذواقا وذا طرفة وفكاهة كانت تلك مقدمة ألقينا الضوء من خلالها على أهم ما يميز هذا التابعي الجليل شريح القاضي من علم وحكمة وذكاء وفطنة ومنزلة ومكانة ولم لا؟! وقد حفل تاريخ القضاء في الإسلام بمواقف نادرة للقاضي شريح سطرها له ذلك التاريخ المضيء الناصع الذي امتلأ قسطاً وعدلاً حتى مع غير المسلمين مما جعل الكثير والكثير يحبون الإسلام ويدخلون فيه وينضوون تحت لوائه بل قد امتلأت بطون الكتب بطرائفه وأخباره وأقواله وأفعاله ولا غرابة في ذلك فقد ربا عمره على السابعة بعد المئة فكانت حياته مديدة رشيدة حافلة بتلك المواقف والمآثر إذ قضى نحوا من ستين عاماً يقضي بين الناس بالحق والعدل.
نقف هنا مع فوائد من قصة شريح ومنهجه في القضاء :
الفائدة الأولى : في منهج طلب العلم ولزوم العلماء :
سئل ذات يوم: بأي شيء أصبت هذا العلم يا شريح؟
فقال: بمذاكرة العلماء آخذ منهم وأعطيهم.
الفائدة الثانية : في التماس العدل في القضاء ومساواة أصحاب المراتب الاجتماعية المختلفة في ذلك :
ابتاع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فرساً من رجل من الأعراب وأعطاه ثمنه ثم ركبه ومضى به، لكنه ما كاد يبتعد بالفرس طويلاً حتى ظهر فيه عطب عاقه عن مواصلة الجري، فانثنى به عائداً من حيث انطلق.
وقال للرجل: خذ فرسك فإنه معطوب؟
فقال الرجل: لا آخذه يا أمير المؤمنين وقد بعتُه لك سليماً صحيحاً.
فقال عمـر: اجعل بيني وبينك حكماً.
فقال الرجل: يحكم بيننا شريح بن الحارث الكندي.
فقال عمـر: رضيت به.
احتكم أمير المؤمنين عمر وصاحبُ الفرس إلى شريح فلما سمع شريح مقالة الأعرابي، التفت إلى عمر بن الخطاب وقال: هل أخذت الفرسَ سليماً يا أمير المؤمنين؟
فقال عمر: نعم.
فقال شريح: احتفظ بما اشتريت يا أمير المؤمنين أو رُدَّ كما أخذت، فنظر عمر إلى شريح معجباً وقــال: [وهل القضاء إلا هكذا؟ قول فصل وحكم عدل.. سِرْ إلى الكوفة فقد وليتك قضاءها. ولم يكن عمر متعجلاً في ذلك فقد أثبتت الأيام وبرهنت السنون صواب عمر وصدق فراسته في هذا القاضي العظيم صاحب الفضل وصاحب التجربة العميقة في الحياة وإذا ذهبنا نتصفح بطون الكتب لوجدناها قد امتلأت بأخبار القاضي شريح وقضاياه.
الفائدة الثالثة: في العدل مع أهل الذمة وأثره الكبير في دعوتهم :
الفائدة الرابعة: في أحكام القضاء : حكم شهادة الابن لأبيه:
فهذا علي بن أبي طالب، افتقد درعاً له كانت عزيزة غالية عليه ثم ما لبث أن وجدها في يد رجل من أهل الذمة يبيعها في سوق الكوفة فلما رآها عرفها...
وقــال: هذه درعي سقطت عن جمل لي في ليلة كذا وفي مكان كذا.
فقال الذمي: بل هي درعي وفي يدي يا أمير المؤمنين.
فقال علي: إنما هي درعي لم أبعها لأحد ولم أهبها لأحد حتى تصير إليك.
فقال الذمي: بيني وبينك قاضي المسلمين.
فقال علي: أنصفت، فهلمَّ إليه. ثم أنهما ذهبا إلى شريح القاضي فلما صارا عنده في مجلس القضاء...
قال شريح لعلي : ما تقول يا أمير المؤمنين؟
فقـــال: لقد وجدتُ درعي هذه مع هذا الرجل وقد سقطت مني في ليلة كذا وفي مكان كذا وهى لم تصل إليه لا ببيع ولا هبة.
فقال شريح للذمي: وما تقول أنت أيها الرجل؟ فقال الذمي: الدرع درعي وهي في يدي ولا أتهم أمير المؤمنين بالكذب فالتفت شريح إلى علي..
وقـــال: لا ريب عندي في أنك صادق فيما تقول يا أمير المؤمنين وأن الدرع درعك ولكن لا بد لك من شاهدين يشهدان على صحة ما ادعيت.
فقال علي: نعم، مولاي قنبر وولدي الحسين يشهدان لي.
فقال شريح: ولكن شهادة الابن لأبيه لا تجوز يا أمير المؤمنين.
فقال علي: يا سبحان الله رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته!! ما سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة).
فقال شريح: بلى يا أمير المؤمنين غير أني لا أجيز شهادة الولد لوالده عند ذلك التفت عليّ إلى الذمي وقال: خذها فليس عندي شاهدُُ غيرهما.
فقال الذمي: ولكني أشهد بأن الدرع لك يا أمير المؤمنين ثم أردف قائلاً: (يا لله أمير المؤمنين يقاضيني أمام قاضيه وقاضيه يقضي لي عليه.. أشهد أن الدين الذي يأمر بهذا لحق، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله اعلم أيها القاضي أن الدرع درع أمير المؤمنين، وأنني اتبعت الجيش وهو منطلق إلى صفين، فسقطت الدرع عن جمله الأورق فأخذتها).
فقال له علي: أما وإنك قد أسلمت فإني وهبتها لك، ووهبت لك معها هذا الفرس أيضا. ولم يمض على هذا الحادث زمن طويل حتى شوهد هذا الرجل يقاتل الخوارج تحت إمرة علي في يوم النهروان حتى قتل شهيداً رحمه الله رحمة واسعة.
ألا فليشهد التاريخ ولتسطر الأيام والسنون هذه الصور المضيئة وهذه المشاهد الوضيئة ولتملي كلماتها وتستجدي عباراتها من على جبين هذه الأمة العظيمة خير أمة أخرجت للناس والمكتوب على هذا الجبين [هذه أمة الحق والعدل، هذه أمة العزة والكرامة] كلمات من نور فمرجعيتها إلى النور ومنهجها هو النور فقرآنها نور ورسولها نور وهي أمة تخرج الناس من الظلمات إلى النور.
• أمة تأخذ الحق وتقضي به ولو على رئيسها وأميرها أمة تعطي الحق ولو كان لرجل على غير ملتها وشريعتها.
• فهذا شريح قاض من رعية أمير المؤمنين علي يأخذ الحق من الأمير أعلى رأس في الأمة ليقضي به إلى رجل ذمي على غير ملة المسلمين بما توافر لديه من أدلة الإثبات فما استغل الأمير قوته وسلطانه فأخذ درعه وهو متأكد أن الدرع درعه وما أن رأي هذا اليهودي (أو النصراني) هذا الحكم العادل لهذا الدين العظيم والذي رفع شعار [القوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه والضعيف عندي قوى حتى آخذ الحق له].
وما أن رأى هذه العظمة حتى قال: [لقد تأخرت كثيراً في الانتساب لهذا الدين إن الدين الذي يأمر بهذا لحق، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله] الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
الفائدة الخامسة : في القضاء بالحق ومخالفة الهوى حتى لو كان على أقرب الناس إليه :
نعم شريح القاضي يقضي بما يراه أنه الحق ولو على أحب الناس إلى قلبه وأقرب الأقربين إليه أتاه ولده وقال له: يا أبت إن بيني وبين قوم خصومة فانظر فيها فإن كان الحق لي قاضيتهم وإن لهم صالحتهم ثم قص عليه قصته،فقال له: انطلق فقاضهم فمضي إلى خصومه ودعاهم إلى المقاضاة فاستجابوا له ولما مثلوا بين يدي شريح قضى لهم على ولده فلما رجع شريح وابنه إلى البيت قال الولد لأبيه: فضحتني يا أبت، والله لو لم أستشرك من قبل لما لمتك.
فقال شريح: يا بني والله لأنت أحب إلى من ملء الأرض من أمثالهم ولكن الله عز وجل أعز علي منك لقد خشيت أن أخبرك بأن الحق لهم فتصالحهم صلحا يفوت عليهم بعض حقهم فقلت لك ما قلت.. يا له من قلب تمكن الإيمان منه فرأى الحق أحب شيء إليه بل أحب إليه من نفسه وولده والناس أجمعين. بل وأكثر من ذلك أن ولداً من أولاده كفل (أي ضمن) رجلاً فقبل كفالته فما كان من الرجل إلا أن فر هارباً من يد القضاء فسجن شريح ولده بالرجل الفار وكان ينقل له طعامه بيده كل يوم إلى السجن.
وللحديث بقية
في الجزء الثاني من هذه الوقفات
يسعدني أن أكون أول متواصل معك ..
بداية جيدة ..أخي في الله ..
بالنسبة للوسوم .. هناك خيارات أوسع !!
الله يعطيك العافية ،
وأنا أسعد بتشريفك لي في صفحتي